الشنقيطي

90

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

الآية ، والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : * يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [ 67 ] الآية . أمر تعالى في هذه الآية نبيّه صلى اللّه عليه وسلم بتبليغ ما أنزل إليه ، وشهد له بالامتثال في آيات متعدّدة كقوله : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [ المائدة : 3 ] ، وقوله : وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ [ النور : 54 ] ، وقوله : فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ ( 54 ) [ الذاريات : 54 ] ، ولو كان يمكن أن يكتم شيئا ، لكتم قوله تعالى : وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ [ الأحزاب : 37 ] ، فمن زعم أنّه صلى اللّه عليه وسلم ، كتم حرفا ممّا أنزل عليه ، فقد أعظم الافتراء ، على اللّه ، وعلى رسوله صلى اللّه عليه وسلم . قوله تعالى : وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ( 71 ) [ 71 ] الآية . ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنّ بني إسرائيل عموا وصمّوا مرّتين ، تتخلّلهما توبة من اللّه عليهم ، وبيّن تفصيل ذلك في قومه : وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ [ الإسراء : 4 ] الآية فبيّن جزاء عماهم ، وصممهم في المرّة الأولى بقوله : فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ [ الإسراء : 5 ] ، وبيّن جزاء عماهم ، وصممهم في المرّة الآخرة بقوله فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً ( 7 ) [ الإسراء : 7 ] ، وبيّن التوبة التّي بينهما بقوله : ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً ( 6 ) [ الإسراء : 6 ] . ثمّ بيّن أنّهم إن عادوا إلى الإفساد عاد إلى الانتقام منهم بقوله : وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا [ الإسراء : 8 ] فعادوا إلى الإفساد بتكذيبه صلى اللّه عليه وسلم ، وكتم صفاته الّتي في التوراة ، فعاد اللّه إلى الانتقام منهم ، فسلّط عليهم نبيّه صلى اللّه عليه وسلم فذبح مقاتلة بني قريظة ، وسبى نساءهم ، وذراريهم وأجلى بني قينقاع ، وبني النضير . كما ذكر تعالى طرفا من ذلك في سورة الحشر ، وهذا البيان الّذي ذكرنا في هذه الآية ذكره بعض المفسرين ، وكثير منهم لم يذكره ، ولكن ظاهر القرآن يقتضيه ، لأنّ السياق في ذكر أفعالهم القبيحة الماضية من قتل الرسل وتكذيبهم ، إذ قبل الآية المذكورة كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ( 70 ) [ المائدة : 70 ] . ومعنى وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ ظنّوا ألّا يصيبهم بلاء وعذاب من اللّه ، بسبب كفرهم ، وقتلهم الأنبياء ، لزعمهم الباطل ، أنّهم أبناء اللّه ، وأحبّاؤه ، وقوله : وَصَمُّوا كَثِيرٌ أحسن ، أوجه الإعراب فيه ؛ أنّه بدل من واو الفاعل في قوله : عَمُوا وَصَمُّوا ، كقولك : جاء القوم أكثرهم ، وقوله : أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ قرأه حمزة ، والكسائي ، وأبو عمرو بالرفع ، والباقون بالنصب ، فوجه قراءة النصب ظاهر ، لأن الحسبان بمعنى الظن ، ووجه